كتب إنريكي فرنانديز، في تقرير نشره موقع «أتالايار» الإسباني، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لم يصل إلى القاهرة في زيارة بروتوكولية روتينية، رغم تقديمها رسميًا، بتوجيه من الملك سلمان، باعتبارها «زيارة عمل» ثنائية، مشيرًا إلى أن الاستقبال الذي خصه به رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي على أرض المطار عكس إلحاحًا عسكريًا مباشرًا. وقبل مغادرته إلى مصر بساعات، عقد ولي العهد السعودي اجتماعًا مغلقًا في الرياض مع قيادات بارزة في القيادة المركزية الأمريكية.


وأشار تقرير «أتالايار» إلى أن حالة التأهب كانت قد بدأت بالفعل، إذ جددت الحكومة السعودية خلال اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد في جدة قبيل مغادرة بن سلمان، تأكيدها عزمها التمسك بـ«الحق الأصيل في الدفاع عن النفس» المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة لحماية أراضي المملكة من الهجمات الحوثية. وخلصت الرياض والقاهرة إلى ضرورة التحرك، بعدما أصبحت عمليات الحصار والاعتراض البحري التي تنفذها جماعة الحوثيين في البحر الأحمر غير قابلة للاستمرار بالنسبة إلى الحكومتين.

 


خسائر قناة السويس تهدد الاقتصاد المصري واستثمارات السعودية على البحر الأحمر


تحولت عمليات الاعتراض المنهجية في مضيق باب المندب، بالنسبة إلى السلطات المصرية، من مصدر قلق خارجي بعيد إلى أزمة مالية حادة. واتجهت كبرى شركات الشحن الدولية بصورة متزايدة إلى تغيير مساراتها والإبحار حول إفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح. وبينما يجنب هذا المسار السفن المياه المستهدفة، فإنه يستنزف إيرادات القاهرة ويعطل حركة الملاحة التي تخضع للأطر التنظيمية للمنظمة البحرية الدولية.


وأظهرت السجلات الرسمية لهيئة قناة السويس تراجع إيرادات رسوم العبور بما يتراوح بين 50 و60%، وهو ما يمثل عجزًا حادًا في الموازنة. وتواجه مصر استحقاقات ديون عاجلة وتضخمًا متصاعدًا، إلى جانب خضوعها لمتابعة فنية وثيقة من صندوق النقد الدولي عقب سلسلة من تخفيضات قيمة العملة. ويدفع استمرار اضطراب الملاحة، شهرًا بعد آخر، البنك المركزي المصري نحو ضغوط حادة على السيولة، فيما لا يملك السيسي هامشًا ماليًا يسمح له بانتظار انفراج دبلوماسي إلى أجل غير مسمى.


وعلى الجانب الآخر من ساحل البحر الأحمر، لا تتمثل نقطة الضعف الأساسية لدى بن سلمان في السيولة المالية، وإنما في قدرة المملكة على مواصلة تحولها الاستراتيجي. إذ تركز مبادرة «رؤية 2030» الجزء الأكبر من مخصصاتها الاستثمارية على ساحل البحر الأحمر.


وتعتمد مشروعات ضخمة مثل «نيوم» ومنتجع «أمالا» الفاخر والوجهات السياحية الدولية الواقعة شمال جدة، بصورة كاملة، على استقرار الملاحة في المياه المحيطة بها. وإذا اعتبر مشغلو الخدمات اللوجستية التجارية الممر البحري الغربي معرضًا لخطر الصواريخ الجوالة والطائرات غير المأهولة، سترتفع أقساط التأمين البحري المرتبطة بخطوط التجارة العالمية، ما قد يؤدي إلى تعطيل تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.


ويحتاج السيسي إلى عودة حركة سفن الحاويات عبر قناة السويس لتجنب أزمة تمويلية قد تضرب القطاع العام، بينما يحتاج بن سلمان إلى القضاء على التهديدات المسلحة على الساحل الغربي للحيلولة دون تعثر مشروعات البنية التحتية الكبرى قبل إنجازها.

 


تنسيق عسكري مصري سعودي بدعم استخباراتي أمريكي


لم تنضم مصر أو السعودية رسميًا، خلال المراحل الأولى من الأزمة الإقليمية، إلى قوات المهام البحرية التي قادتها واشنطن عبر البيت الأبيض. وسعت الحكومتان إلى تجنب التداعيات السياسية الداخلية الناجمة عن الظهور في تحالفات متعددة الجنسيات قد ينظر إليها الرأي العام المحلي باعتبارها مرتبطة بأهداف غربية أو إسرائيلية. لكن التطور التقني المتزايد في أسلحة أنصار الله واستمرار وتيرة إطلاقها جعلا الحياد السلبي خيارًا غير قابل للاستمرار.


وأرست المناقشات التي جرت بين بن سلمان والجنرال مايكل كوريلا الإطار العملياتي للترتيبات الجديدة. ويتجنب التشكيل المتفق عليه الخضوع الرسمي لسلاسل قيادة خارجية، مع ضمان التكامل التقني في الوقت نفسه. وتنشر القاهرة والرياض هيكل قيادة عسكرية عربية خالصة، مدعومًا بصورة مباشرة ببيانات المراقبة عبر الأقمار الصناعية، وقياسات الرادار، ومعلومات الإنذار المبكر التي توفرها وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون».


وتعتمد مصر في هذا الانتشار على قاعدة برنيس البحرية والجوية، التي أقيمت على ساحلها الجنوبي للبحر الأحمر، وتضم أرصفة للفرقاطات متعددة المهام ومدارج للعمليات القتالية ومنشآت لمراقبة الملاحة البحرية. وفي الوقت نفسه، توفر القوات الجوية الملكية السعودية ووحدات الدفاع الجوي البرية شبكات متكاملة تضم بطاريات صواريخ «باتريوت» الاعتراضية ومنشآت رادار ساحلية على المداخل الجنوبية الغربية للمملكة.


وعندما ترصد شبكات الاستشعار الأمريكية إطلاق صواريخ باليستية أو طائرات مسيرة من المرتفعات اليمنية الداخلية، تنقل البيانات التشغيلية فورًا إلى غرف العمليات المصرية والسعودية. ويسمح ذلك للسفن الحربية المصرية ووحدات التحكم في النيران السعودية بتنسيق عمليات اعتراض الأهداف قبل عبور الذخائر إلى ممرات الملاحة التجارية الدولية.

 


انهيار التهدئة السعودية مع الحوثيين وعودة خيار الرد العسكري


يتمثل التحول الحاسم في المشهد الإقليمي في قرار الرياض إنهاء سياسة التهدئة التكتيكية التي اتبعتها لفترة طويلة مع قيادة جماعة الحوثيين في اليمن. وعلى مدار أكثر من عامين، أجرى مبعوثون سعوديون محادثات سرية عبر قنوات خلفية، بوساطة سلطنة عُمان ومشاركة الأمم المتحدة. وكان الهدف الأساسي لبن سلمان يتمثل في التوصل إلى خروج تفاوضي منظم من الحرب الأهلية اليمنية، مقابل وقف الهجمات العابرة للحدود على المملكة. لكن هذا الإطار الاستراتيجي انهار الآن.


وأدت مواصلة إطلاق الصواريخ الباليستية التي استهدفت منشآت عسكرية ومراكز سكانية في المحافظات السعودية الجنوبية إلى إسقاط التفاهمات الضمنية التي جرى التوصل إليها مع صنعاء. وبعدما خلصت المملكة إلى أن التنازلات الدبلوماسية لا توفر حماية كافية لأراضيها أو حركة التجارة، عادت إلى تبني عقيدة عسكرية تقوم على الرد المباشر.


وتتيح الشراكة الاستراتيجية التي جرى إضفاء الطابع الرسمي عليها في القاهرة هذا التحول التكتيكي بصورة مباشرة. فمن خلال إسناد مهام اعتراض التهديدات البحرية ودوريات الملاحة في شمال ووسط البحر الأحمر إلى البحرية المصرية، تتيح القيادة المركزية السعودية للقوات الجوية والبرية داخل المملكة التركيز على مهام الضربات التي تستهدف تحييد مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة داخل شبه الجزيرة العربية.


وختم التقرير قائلاً إن إعلان المملكة يعكس رسميًا التمسك بحقها المشروع في الدفاع عن النفس بموجب القانون الدولي تحولًا استراتيجيًا جوهريًا، إذ تنسق القاهرة والرياض بين منظومتيهما العسكريتين لرسم خط أحمر عملياتي واحتواء الهجمات المسلحة قبل أن يؤدي إغلاق البحر الأحمر إلى إلحاق أضرار هيكلية باقتصادي البلدين.

 

https://www.atalayar.com/en/articulo/politics/bin-salman-and-sisi-prepare-counter-offensive-against-yemeni-militias/20260915131809229287.amp.html